أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
296
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
خلقت من طينة فضلت من طينة آدم ، وهذا قول مرغوب عنه . وقرى « وخالق وباثّ » بلفظ اسم الفاعل . وخرّجه الزمخشري على أنه مبتدإ محذوف أي : وهو خالق وباثّ . يقال : بثّ وأبثّ بمعنى « فرّق » ثلاثيا ورباعيا . وقوله : كَثِيراً فيه وجهان : أظهرهما : أنه نعت ل « رِجالًا » قال أبو البقاء : « ولم يؤنّثه حملا على المعنى ، لأنّ « رِجالًا » عدد أو جنس أو جمع ، كما ذكّر الفعل المسند إلى جماعة المؤنث كقوله : وَقالَ نِسْوَةٌ « 1 » . والثاني : أنه نعت لمصدر تقديره : وبث منهما بثّا كثيرا . وقد تقدم أن مذهب سيبويه « 2 » في مثله النصب على الحال . فإن قيل : لم خصّ الرجال بوصف الكثرة دون النساء ؟ ففيه جوابان : أحدهما : أنه حذف صفتهن لدلالة ما قبلها عليها أي : ونساء كثيرة . والثاني : أنّ الرجال لشهرتهم يناسبهم ذلك بخلاف النساء فإنّ الأليق بهنّ الخمول والإخفاء . قوله : تَسائَلُونَ قرأ الكوفيون : « تَسائَلُونَ » بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفا « 3 » ، والأصل : تتساءلون ، وقد تقدم لنا الخلاف : هل المحذوف الأولى أو الثانية ؟ وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين لأنها مقاربتها في الهمس ، ولهذا تبدل من السين قالوا : « ست » والأصل : « سدس » . وقرأ عبد اللّه : « تسألون » من سأل الثلاثي . وقرىء « تسلون » بنقل حركة الهمزة على السين . و « تَسائَلُونَ » على التفاعل فيه وجهان : أحدهما : المشاركة في السؤال . والثاني : أنه بمعنى فعل ، ويدلّ عليه قراءة عبد اللّه . قال أبو البقاء : « ودخل حرف الجر في المفعول لأن المعنى : « تتحالفون » يعني : أن الأصل كان تعدية « تسألون » إلى الضمير بنفسه ، فلما ضمّن معنى « تتحالفون » عدّي تعديته . قوله : وَالْأَرْحامَ الجمهور على نصب ميم « وَالْأَرْحامَ » وفيه وجهان : أحدهما : أنه عطف على لفظ الجلالة أي : واتقوا الأرحام أي : لا تقطعوها . وقدّر بعضهم مضافا أي : قطع الأرحام ، ويقال : « إنّ هذا في الحقيقة من عطف الخاص على العام ، وذلك أن معنى اتقوا اللّه : اتقوا مخالفته ، وقطع الأرحام مندرج فيها » . والثاني : أنه معطوف على محل المجرور في « به » نحو : مررت بزيد وعمرا ، لمّا لم يشركه في الاتباع على اللفظ تبعه على الموضع . ويؤيد هذا قراءة عبد اللّه : « وبالأرحام » . وقال أبو البقاء : تعظّمونه والأرحام ، لأنّ الحلف به تعظيم له » . وقرأ حمزة « والأرحام » بالجر ، وفيها قولان : أحدهما : أنه عطف على الضمير المجرور في « بِهِ » من غير إعادة الجار ، وهذا لا يجيزه البصريون ، وقد تقدّم
--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 30 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 116 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 157 .